الغزالي
65
إحياء علوم الدين
ولكن تقول في نفسك ، المذكور حاله كان عندي في ستر الله تعالى ، وكان أمره محجوبا عنى ، وقد بقي كما كان ، لم ينكشف لي شيء من أمره وقد يكون الرجل ظاهره العدالة ، ولا محاسدة بينه وبين المذكور ، ولكن قد يكون من عادته التعرض للناس ، وذكر مساويهم . فهذا قد يظن أنه عدل ، وليس بعدل . فإن المغتاب فاسق . وإن كان ذلك من عادته ردت شهادته . إلا أن الناس لكثرة الاعتياد تساهلوا في أمر الغيبة ، ولم يكترثوا بتناول أعراض الخلق ومهما خطر لك خاطر بسوء على مسلم ، فينبغي أن تزيد في مراعاته ، وتدعو له بالخير ، فإن ذلك يغيظ الشيطان ، ويدفعه عنك ، فلا يلقى إليك الخاطر السوء ، خيفة من اشتغالك بالدعاء والمراعاة ومهما عرفت هفوة مسلم بحجة ، فانصحه في السر ، ولا يخد عنك الشيطان فيدعوك إلى اغتيابه . وإذا وعظته فلا تعظه وأنت مسرور باطلاعك على نقصه ، لينظر إليك بعين التعظيم ، وتنظر إليه بعين الاستحقار ، وتترفع عليه بإبداء الوعظ . وليكن قصدك تخليصه من الإثم وأنت حزين ، كما تحزن على نفسك إذا دخل عليك نقصان في دينك . وينبغي أن يكون تركه لذلك من غير نصحك ، أحب إليك من تركه بالنصيحة . فإذا أنت فعلت ذلك كنت قد جمعت بين أجر الوعظ وأجر الغم بمصيبته ، وأجر الإعانة له على دينه . ومن ثمرات سوء الظن التجسس ، فإن القلب لا يقنع بالظن ويطلب التحقيق فيشتغل بالتجسس ، وهو أيضا منهي عنه . قال الله تعالى * ( ولا تَجَسَّسُوا ) * « 1 » فالغيبة وسوء الظن والتجسس منهي عنه في آية واحدة . ومعنى التجسس ، أن لا يترك عباد الله تحت ستر الله فيتوصل إلى الاطلاع وهتك الستر ، حتى ينكشف له ما لو كان مستورا عنه كان أسلم لقلبه ودينه ، وقد ذكرنا في كتاب الأمر بالمعروف حكم التجسس وحقيقته . بيان الاعذار المرخصة في الغيبة اعلم أن المرخص في ذكر مساوى الغير هو غرض صحيح في الشرع لا يمكن التوصل اليه إلا به فيدفع ذلك إثم الغيبة ، وهي ستة أمور :
--> « 1 » الحجرات : 12